ابن بسام

62

الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة

وصمد [ 1 ] عبد الملك بلد الإفرنجة إذ لم تزل عند ولاة الأندلس مبدأ كلّ علّة ، فاستعدّ لقصدهم ، واقتحم أرضهم في جموعه وأوغل في بسيط برشلونة ، وحطّم غير ما مدينة ، / وعاد قافلا سالما غانما . فهابته الإفرنجة وأذعنت إلى السلم ، وجاء رسولها إلى قرطبة ، وقد أعدّ عبد الملك لوروده أكمل العدّة من ترتيب الجنود ، فكان يوم دخل ذلك الرسول بقرطبة آخر أيّام الزينة ، إذ انتقض الملك على أثره سريعا ووقعت الفتنة . قال ابن حيّان : سمعت بعض المشايخ يومئذ يقول : إنّه ما كان بالأندلس مثل ذلك في أمد الدولة ، بما اجتمع له من كثرة الجمع والزينة والعزة السلطانية . وأما التجار الغرباء فدخلوا يومئذ إلى موضع هيئة التجافيف والأعلام المصورة وسائر القطع العجميّة والقنا الهنديّة ، وموقف خيل الركاب بالسروج الثقال ، والتّراس المذهبة والمفضّضة ، معها بغال الركاب الرائقة في زيّها المشهور ، وما اتصل بذلك من عدّة غريبة . وتوصل أولئك التجار إلى ذلك المكان قبل إباحته للنظارة بإذن التمسوه من عبد الملك ، فلم يختلفوا في استيساع ما عاينوه ، واتّفقوا - وكان جملة عراقيّين ومصريّين وغيرهم - على أنه ما شاهدوا لأحد من ملوكهم مثله . ولما أحكم عبد الملك الشدّ لفتن الفرنجة دبّر قصد شانجه ، فخرج نحوه صائفة سنة أربع وتسعين ، وأوغل في أرضه وخام عنه شانجه ولم يظهر له ، وقفل عبد الملك إلى قرطبة . فاضطرّ شانجه إلى السلم ووفد بنفسه إلى قرطبة ، فأعظم عبد الملك مورده ، وضمن أن يغزو معه قومه . فخرج مع عبد الملك سنة خمس وتسعين ، فاقتحم جليقية وغادر أعمال بني غومس مصطلمة [ 2 ] ، وهدى المسلمين شانجه إلى عورات قومه ، وانتهى بهم إلى مدينة ليونه وهي من أمنع المعاقل ، ولم يكن المنصور بلغها لصعوبتها ، / وطمع عبد الملك فيها ونازلها فأعيت عليه ، وقفل إلى قرطبة . وبقي شانجه في مسالمته ثلاثة أعوام يستعدّ لحربه . فأحسّ عبد الملك بغدره ، فسابقه بالغزو سنة ستّ بعدها ، وضحّى [ 3 ] عبد الملك يومئذ بمدينة سالم . ووافاه هنالك رسول الروم من القسطنطينيّة بكتابه إليه ، يسأله المواصلة على سبيل سلفه مع ملوك المروانيّة . وساق له

--> [ 1 ] ص : وصد . [ 2 ] ص : مصلمة ؛ وفيها معنى اليبس ، وصوبتها اجتهادا . [ 3 ] ضحى : شهد عيد الأضحى .